ابن تغري
359
المنهل الصافي والمستوفي بعد الوافي
قال المقريزي « 1 » : أدركنا أباه داود ، وقدمت رسله بكتابه وهديته إلى الملك الظاهر برقوق ، وهلك سنة اثنتي عشرة وثمانمائة ، وقد طالت مدته فأقيم بعده ابنه تدروس وهلك سريعا ، فأقيم من بعده أخوه إسحاق « 2 » ، وفخم أمره ، وذلك أن بعض المماليك الأتراك أو الجراكسة كان يسمى الطنبغا مغرق « 3 » فر إليه وحظى عنده لما يتقنه من الآلات الحربية وأدوات القتال كاللعب بالرمح ورمى السهام ونحو ذلك ، ولحق به أيضا زرد كاش « 4 » من المماليك الجراكسة فعمل له زردخاناه عظيمة ، وتعلم عسكره أنواعا من صنائع الحرب ، ثم قدم عليه رجل [ 171 أ ] من كتاب مصر النصارى يعرف بفخر الدولة ، فرتب له مملكته وجبى له الأموال ، فصار ملكا بعد ما كانت مملكته ومملكة آبائه همجا ، لا ديوان لها ولا قانون ، فانضبطت عنده الأمور ، وتميز زيه « 5 » عن رعيته ، بحيث أخبرني من شاهده وهو راكب وفي يده صليب من ياقوت أحمر قد قبض عليه بيده اليمنى ، ووضعها على فخذه ، وطرفا الصليب بارزان عن يده ، وذلك بعد ما أخبرني برهان الدين إبراهيم الدمياطي ، وكان الظاهر برقوق بعثه رسولا إلى الحطى داود ابن سيف أرعد ، أنه لا يزال عريانا ، حاسر الرأس ، وأنه يعصب رأسه بعصابة حمراء ، وأنه شاهده وقد جئ إليه بكرش بقرة قد نفض منها ما فيها من الفرث ولم تغسل ولم تغل على نار فصار يأكلها نيئة « 6 » وما بقي بها من الفرث يسيل من جانبي فمه .
--> ( 1 ) الإمام ص 4 وما بعدها . ( 2 ) وورد في النجوم « فملك بعده أخوه أبرم ، ويقال إسحاق » ج 14 ص 349 . ( 3 ) ورد في النجوم أنه من « مماليك الأمير بزلار نائب الشام » ج 14 ص 349 . ( 4 ) الزدردكاش : هو الصانع الذي يعمل داخل السلاحخاناه في صنع السلاح واصلاحه وتجديده صبح الأعشى ج 4 ص 12 . ( 5 ) « به » في ن . ( 6 ) « نيئة » ساقط من ن .